النويري
248
نهاية الأرب في فنون الأدب
يستبطئ لقاء القوم ، على أنك لا تظنّ بي معصية ولا جبنا ، وقد عاتبتنى معاتبة الجبان ، وأوعدتنى وعيد العاصي ، فسل الجرّاح والسلام . فكتب إليه الحجّاج : أما بعد ، فإنك تتراخى عن الحرب حتى تأتيك رسلي ويرجعون بعذرك ، وذاك أنك تمسك حتى تبرأ الجراح وتنسى القتلى « 1 » ، ويجمّ الناس ، ثم تلقاهم فتحمل منهم مثل ما يحملون منك من وحشة القتل وألم الجراح ، ولو كنت تلقاهم بذلك الجدّ لكان الداء قد حسم ، والقرن قد قصم ، ولعمرى ما أنت والقوم سواء ، لأنّ من ورائك رجالا ، وأمامك أموالا ، وليس للقوم إلَّا ما معهم ، ولا يدرك الوجيف بالدّبيب ، ولا الظَّفر بالتعذير « 2 » . فكتب إليه المهلَّب : أمّا بعد ، فإني لم أعط رسلك على قول الحق أجرا ، ولم أحتج منهم مع المشاهدة إلى تلقين ؛ وذكرت أنّى أجمّ القوم ، ولا بدّ من راحة يستريح فيها الغالب ويحتال المغلوب ؛ وذكرت أن في الإجمام « 3 » ما ينسى القتلى ، ويبرئ الجراح ، وهيهات أن ينسى ما بيننا وبينهم ، يأبى ذلك قتل من لم يجن ، وقروح لم تتقرّف « 4 » ؛ ونحن والقوم على حالة ، وهم يرقبون حالات ، إن طمعوا حاربوا ، وإن ملَّوا وقفوا ، ونطلب إذا هربوا ، فإن تركتني فالداء « 5 » بإذن اللَّه محسوم ، وإن أعجلتنى لم أطعك ولم أعص ، وجعلت وجهي إلى بابك ، وأنا أعوذ باللَّه من سخط اللَّه ومقت الناس .
--> « 1 » في الأصل : « المبتلى » ؛ وهو تحريف صوابه ما أثبتنا كما يدل عليه ما يأتي في جواب المهلب . « 2 » التعذير : التقصير في الأمر . « 3 » في الأصل : « في الجماجم » وهو تحريف . « 4 » تتقرف بقاف مثناة : تتقشر ؛ يريد أنها لم تبرأ ؛ وفى الأصل : « تتفرق » ؛ وهو تصحيف . « 5 » في الأصل : « فالرأي » وهو تحريف .